|
|
حزب
الدعوة الإسلامية »
الاخبار
|
الاثنين, 04 آب 2008 |
|
التعصب والانفتاح
بين المذاهب الإسلامية....
من كتاب( التعددية والحرية في الإسلام ) |
|
|
|
للمرحوم الشيخ محمد مهدي شمس
الدين
التعصب والإرهاب الطائفي
كان "ابان بن تغلب " من خواص تلامذة الإمام جعفر الصادق (
ع ) ، وقد أمره أستاذه الإمام أن يجلس للإفتاء في مسجد
المدينة، ولأن السائلين والمستفتين كانوا يختلفون في
مذاهبهم ومراجعهم، فقد وجهه الإمام إلى أن لا يقتصر على
نقل رأي مذهب أهل البيت أو فتاواهم، بل يفتي السائلين حسب
مذاهبهم، يقول له الإمام الصادق ( ع ) : "انظر ما علمت أنه
من قولهم فاخبرهم بذلك ". وينقل الشيخ أبو زهرة قصة مشابهة
عن تلميذ آخر للإمام جعفر الصادق ( ع ) وهو مسلم بن معاذ
الهروي انه كان يجلس في المسجد ويفتي الناس بأقوال الأئمة
جميعا حتى قال له يوما سيدنا جعفر: بلغني أنك تجلس في
المسجد وتفتي الناس. أجاب نعم وكنت أود أن أسألك عن ذلك إذ
يأتيني الرجل فاعرفه على مذهبكم فأفتيه بأقوالكم، ويأتيني
الرجل فاعرفه على غير مذهبكم فأفتيه بأقوالي مذهبه،
ويأتيني الرجل فلا أعرف مذهبه- فاذكر له أقوال الأئمة
وأدخل قولكم بين الأقوال، فاشرق وجه سيدنا الإمام جعفر
رضوان الله عليه وقاله: " أحسنت أحسنت هكذا أنا أفعل لأنه
كان إذا سئل عن مسألة ذكر كل أقوال العلماء فيها. وبالفعل
كان الإمام جعفر الصادق ( ع ) إذا طرحت عليه مسألة ذكر
آراء مختلف العلماء فيها كما ينقل ذلك بإكبار الإمام أبو
حنيفة يقول: ما رأيت. أفقه من جعفر بن محمد لما أقدمه
المنصور بعث إلي فقال: يا أبا حنيفة إن الناس قد افتتنوا
بجعفر بن محمد فهيئ له من المسائل الشداد، فهيأت له أربعين
مسألة، فجعلت القي عليه فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا
وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا فربما تابعهم وربما
خالفنا جميعا حتى أتيت على الأربعين مسألة، ثم قال أبو
حنيفة: ألسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس ".
إن الإمام جعفر الصادق هو أحد أئمة أهل البيت ( ع ) ولا شك
أنه يعتقد الصواب في رأيه والحق في فتواه ولكن ذلك لا
يمنعه من نقل آراء الآخرين وفتاواهم ليعطي للأمة درسا في
التسامح وفي احترام الرأي الأخر مهما اختلفت معه. وهناك
حديث آخر عن الإمام الصادق نفسه يرويه عن جده علي بن أبي
طالب ( ع ) يفيد مضمونه أن أبواب الجنة مشرعة لجميع
المسلمين مهما اختلفت مذاهبهم يقول ( ع ): "إن للجنة
ثمانية أبواب باب يدخل منه النبيون والصديقون .
الانفتاح الفكري بين المذاهب الإسلامية
ما الذي يشد الإنسان المسلم إلى مذهب من المذاهب، أو إمام
من الأئمة؟ وما الذي يدفعه إلى اعتناق هذه الفكرة أو
الالتزام بذلك المنهج؟ المفروض أن الدافع وعنصر الانشداد
هو طلب الحقيقة والوصول إلى الرأي الأصح والأصوب عقائديا
وتشريعياً لإحراز براءة الذمة ورضا الله سبحانه وتعالى،
حيث يتفتح وعي الإنسان المسلم في هذه الحياة فيرى أمامه
عدة مناهج وطرق في فهم عقائد الإسلام وتحديد جزئيات أحكامه،
وعند الاختلاف فان الحق لا يتعدد خلافا لما يراه المصوبة،
فإذا ما كان هناك أكثر من رأي حول قضية واحدة فلا بد أن
بعضها مصيب والآخر مخطئ ، كما أن نسبة الصواب والخطأ قد
تكون نسبية بين الآراء وعلى أحسن الفروض فان هناك صحيح
وأصح وصائب وأصوب، مع قطع النظر عن معذورية المخطئ بل
وثوابه ما دام مجتهدا قد بذل غاية وسعه فإن المجتهد إذا
أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر واحد.
وهنا يفترض في المسلم أن يدرس ويتأمل المذاهب والمناهج
المطروحة في الساحة الإسلامية ويعتمد على عقله وتفكيره
وعوامل الاستدلال والاطمئنان المتوافرة لديه لكي يختار أحد
تلك المناهج والمذاهب. وهذا يعني أمرين: الأول: إتاحة
الفرصة وتوفر المجال للاطلاع على مختلف الآراء والمذاهب
بأن تسود أجواء المجتمع حرية فكرية ثقافية، يتمكن الإنسان
عبرها من التعرف على جميع الطروحات والآراء، وهذا ما كان
متداولا ومعروفا في العصور الإسلامية الأولى، حيث كانت
تتعدد حلقات الإفتاء والتدريس في المساجد العامة وفقا
لتعدد المذاهب واختلاف الأئمة، كما كانت تنعقد جلسات
المناظرة والحوار وتتداول كتب العقائد والحديث والفقه على
رأي مختلف المذاهب والمدارس.
بالطبع فإن حرية الفكر والثقافة حق طبيعي للإنسان ومبدأ
أساسي من مبادئ الإسلام، وإذا ما انعدمت هذه الحرية
الفكرية واستبد بالساحة مذهب واحد ورأي فكري واحد مع حظر
باقي المذاهب وقمع سائر ا!دارس ف!نه لا يمكن للمسلم أن
يطمئن إلى صحة اختياره وانتخابه للمذهب المفروض عليه بشكل
غير مباشر. الثاني: اهتمام المسلم بالبحث الموضوعي وتجرده
عن دواعي التعصب والمصلحة، ذلك أن الكثيرين لا يجدون دافعا
للبحث والاهتمام مكتفين بما يجدون عليه عوائلهم وأهاليهم،
وما يسود في مجتمعهم وبيئتهم. وإذا ما تجاوزنا المسألة
الذاتية ومسؤولية الإنسان تجاه نفسه بالبحث عن الحق
لاعتناقه والتزامه، فان هناك قضية أخرى ترتبط بموقف
الإنسان تجاه الآخرين وإصداره الأحكام على معتقداتهم
ومذاهبهم حيث لا يصح له الإطلاق من الجهل والتسرع دون
معرفة واطلاع للحكم على الآخرين ، يقول تعالى: ( ولا تقف
ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان
عنه مسؤولا ) .
إن من أهم عوامل الصراع وسوء التفاهم بين أتباع المذاهب
الإسلامية هو الجهل المتبادل وعدم الانفتاح الفكري فيما
بينهم حتى على مستوى العلماء والقيادات، حيث يحتفظ كل طرف
لنفسه بانطباع وموقف سلبي تجاه الطرف الآخر، دون أن يكف
نفسه عناء البحث والتأكد من صحة انطباعه وموقفه وكأنه ليس
مسؤولا أمام الله عن سوء ظنه بالآخرين وخطأ حكمه عليهم، أو
غير مدرك لما ينتجه هذا الموقف الجاهلي من أخطار وتبعات
على وحدة الأمة وتماسك صفوفها. وهذا الجهل وعدم الانفتاح
بين المذاهب هو الذي يتيح الفرصة للأعداء والمغرضين
ليصطادوا في الماء الحكر، وليشوهوا سمعة كل مذهب أمام
المذاهب الأخرى، وليعبئوا كل طائفة تجاه الطوائف ا لأخر ى.
يقولا أحد العلماء اللبنانيين وهو يتحدث عن دور الجهل في
تعميق الخلاف الطائفي بين السنة والشيعة ما يلي: (وظني أن
الكثير من المسلمين لو اطلعوا على ما عليه الشيعة لم يكن
منهم إلا المودة والإخاء، حدثني بعض أهل العراق فقال ما
مضمونه: لما جاء الترك بجيشهم لمقابلة الإنكليز محاماة عن
العراق من جهة البصرة في الحرب الكبرى وكان في جيشهم من
ديار بكر والموصل من لا يعرف الشيعة فلما رأوا من علماء
الشيعة ورجالها ما رأوا من التزامهم بالصلاة وغيرها من
العبادات وإخلاصهم في المدافعة عن بيضة الإسلام وكيان
المسلمين، وتفانيهم في المحاباة عن دينهم أخذ يقول بعضهم
لبعض العراقيين: إنا ما كنا نعرف الشيعة، فان كان أنتم
شيعة فنحن كلنا شيعة). وأعجب من ذلك ما حدثني به بعض
الفضلاء عن أحد أعلام الشيعة عن رجل من علماء نابلس انه
قال له: (كنا نتقرب إلى الله بدم الشيعي والآن صرنا نتقرب
إلى الله بحب الشيعي) ويبدو أن هناك إشكالا عميقا يكمن في
مناهج الدراسة في الحوزات والجامعات والمعاهد الدينية، حيث
تقتصر كل مؤسسة على تدريس اتجاه معين في العقائد والفقه
والعلوم الدينية متجاهلة سائر الاتجاهات والمذاهب، والأخطر
من ذلك هو تعبئة الطلاب في كل معهد ديني ضد ما يخالف مذهبه
ومنهجه عبر أسلوب التهريج والإسقاط والدعاية السوداء،
فيتخرج طلاب العلوم الدينية بفكر منغلق وعقلية ضيقة جاهلين
بالرأي الآخر منحازين بتعصب ضده.
ولقد حدثنا التاريخ إن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رأى-
قبل أخذه شهادة التدريس- أن يطالع مع بعض الطلاب كتبا منها
(شرح العقائد النسفية) للتفتازاني مع حواشيه، وسوغ لنفسه
في أثناء ذلك أن يرجح مذهب المعتزلة في بعض المسائل
الكلامية، على مذهب الأشعرية،
يتبع |
|
|