توظيف الإسلام في مشاريع لا إسلامية


حسن العاشور
عندما يعرج الحديث نحو الفكر الحركي لدى الاسلاميين يتبادر الى الذهن سؤال مفاده : ما هي المسافة بين الفكر الحركي الاسلامي وبين الفكر الحركي غير الاسلامي؟
وهذا السؤال يقود الى جملة اسئلة تتعلق بماهية الحركية الاسلامية وعلاقتها بالاسلام كدين وبالتكييف الشرعي لها، وما الى ذلك من الاسئلة التي تؤدي الى البحث في شكل الدولة الاسلامية، اهي دولة دينية تكون فيها القطيعة واضحة بين الاسلاميين وبين غيرهم ام دولة مدنية يقف فيها الطرفان على مساحة مشتركة ؟ وان كانت مدنية كما يقول معظم المعنيين بهذا الشان، فما هو الفرق بينها وبين الدولة العلمانية بشقيها الالحادية والدنيوية؟
لست في وارد الاجابة عن هذه الاسئلة كلها لسببين، الاول هو ان الاجابة تتطلب بحوثا موسعة لا يتسع لها هذا المقال، والسبب الثاني، وفي تقديري هو الاكثر تعبيرا عن موضوع البحث، هو ان بعض هذه الاسئلة لما يجب عنه بعد حتى هذه اللحظة.
اود التوقف عند تجربة الحركة الاسلامية العراقية بعد سقوط نظام صدام فالاحزاب الاسلامية التي كانت متصادمة مع نظام صدام بشكل عام، من دون الدخول في تفصيلات قد لا تكون مرضية، ان هذه الاحزاب جميعها كانت قد دخلت المرحلة المعهودة كاستحقاق سياسي فقط وليس اكثر من هذا، قد يترتب على هذا الاستحقاق السياسي طرح فكري يرسم معالم المرحلة، ولكن هذا الطرح الفكري المرتقب لم يتحقق لاسباب عدة من ابرزها، على وفق معطيات مراقبتي لمسار الحدث، انعدام اي شكل من اشكال الجوهرية بين واقع العراق بعد سقوط نظام صدام وبين المتبنيات الفكرية الاسلامية التي تاخذ بها الاحزاب الاسلامية المذكورة ولكن لا بد من القول ايضا ان هذا الغياب، اذا ما امعنا النظر سنجد انه كان موجودا حتى قبل السقوط، فما اعتقده ان مجمل هذه الحركة الاسلامية وبسبب الحراك السياسي المطرد الذي اتسمت به مرحلة الصراع المرير مع صدام وبسبب التدويل الذي طبع الحالة العراقية كما كانت تسمى، قد اجلت المشروع الفكري تحت وطأة المتطلبات السياسية ، وهذا خلل قد نجد له الاعذار ، ولكن الخلل الكبير والمتفاقم باطراد الذي لا اجد له عذرا هو ان الركون الطويل الى المشاريع السياسية الذي رافقه تاجيل المشاريع الفكرية قد وسع الفجوة بين ما انتهى اليه المشروع السياسي وبين ما توقف عنده المشروع الفكري، وهي فجوة ستظل تتسع الى مديات خطيرة عندما تنعدم اية امكانية للتواصل، وهذه امكانية لما تنعدم بعد، فما زال هناك متسع للاصلاح، ولكن لا بد من التاكيد على هذا المتسع في طريقه الى التلاشي. ان قراءتي لفاعلية الحركية الاسلامية التي تاخذ بنظر الاعتبار تشخيص الخللين المذكورين، قد تتلخص في ان هناك وجدانا شعبيا عراقيا كان قد تشكل بسبب ممارسة نظام صدام الحمقاء، وان هذا الوجدان بالغ في احضار ما كان النظام الجائر قد بالغ في اخفائه، بحكم ردة الفعل العفوية التي جاءت استجابة لتحديات الواقع الذي مثل الطرح الصدامي، والواقع ان التاريخ يصنع هكذا باعتباره تحديا واستجابة كما يقول علماء التاريخ ، والجميع يعرف ان ممارسة النظام الحمقاء قد بالغت في محاربة افكار ومظاهر معروفة، وان هذه الافكار والمظاهر قد بولغ بها بعد سقوط صدام في اظهارها والترويج وصولا الى تاصيلها على صعيد منظومة قيم المجتمع التي ترتكز على الدين قبل اية مرجعية اخرى.
والمشكلة ان ظروف تاسيس دولة العراق الثانية او ما يصطلح عليه بالعراق الجديد ، باعتبار ان دولة العراق الاولى كانت قد تاسست العام 1921 وقد استمرت هي هي رغم انقلاب 14 تموز العام 1958 وما تلاه من انقلابات ولكن لا بد من القول ان انقلاب تموز 1958 كان قد حمل بعض ملامح تغيير لو قدر لها الاستمرار لمثلت ولادة دولة العراق الثانية التي اجهضت بأسوأ انقلاب حمل الى العراق اسوأ حكام العام 1963 ، انها اي ظروف تاسيس جمهورية العراق الثانية كانت ديمقراطية على الطريقة الاميركية، وهذا يعني ان الحاجة الى الشعب ملحة جدا من اجل الوصول الى الحكم، وليس ثمة اعتراض على هذا التوجه الذي انساقت له الاحزاب الاسلامية عموما عندما اجتهدت لاشباع ذلك الوجدان الشعبي المبالغ في اظهار ما بالغ النظام المباد في اخفائه فلم تكن سوى لسان حال العقل الجمعي الذي شكل الملامح الفكرية للعراق الجديد الذي انبنى على انقاض نظام صدام، وهذا يعني ان المرحلة الفكرية قد تشكلت في الاعم الاغلب بناء على معطيات وجدان شعبي، وليس بناء على معطيات جهد فكري نخبوي، فبات الصراع ليس صراعا من اجل ابراز الاطر الفكرية التي يراد لها ان تشكل المحددات الاساس لمرحلة ما بعد السقوط وانما هو صراع من اجل كسب اكبر قدر ممكن من اصوات الناس من خلال الحرص على اشباع الوجدان المتعطش الى اظهار كل ما اراد صدام اخفاءه .
وان من ابرز افرازات سقوط نظام صدام والمبالغة في اظهار ما بالغ النظام في اخفائه هو ازدياد التوتر الطائفي، الذي كان نتيجة لاسباب قد انزرعت لدى طرفين كان الاول يشعر بغبن تاريخي يرى ان الفرصة مؤاتية لازالته، اما الطرف الاخر فقد شعر وهما ان ازالة هذا الغبن التاريخي ستكون على حسابه من هنا بدا التصادم بين تفكيرين لا علاقة لهما بالدين البته. ما حدث وللاسف الشديد هو توظيف هذا التصادم في مشاريع سياسية اسلامية فالواقع الذي لا بد من الاقرار به ان انجرار البلاد الى حرب طائفية مدمرة كادت ان تقضي على العراق كان بسبب التوظيف السيىء لفكرين لا دينيين في مشاريع دينية تصادما لحظة الفراغ الذي اعقب انهيار الدولة العراقية القائمة على اسس ظالمة. قد نبحث عن كائن ما نحمله مسؤولية ما جرى ولكن لا بد من القول ان العراقيين هم السبب، ليس لان الاطراف الدولية التي دخلت بكل ثقلها على خط الازمة العراقية بريئة، ولكن من وفر لتلك الاطراف فرصة الدخول هم العراقيون انفسهم الذين اكتشفوا في وقت متاخر ولكن ليس بعد فوات الاوان والحمد لله، اكتشفوا انهم الضحية عندها حدث تغير. وهنا لا بد من القول ان ما قامت به حكومة المالكي هو فعل عظيم بكل المقاييس واعتقد ان التاريخ سيسجل للمالكي ماثرة الامساك بعراق منزلق الى حرب اهلية في لحظات بالغة الحرج، واجزم بان العراقيين الذين راحوا يستعيدون رشدهم شيئا فشيئا سيرون ان نعمة الحؤول دون انزلاقهم الى الحرب هي من نعم الله التي لا تضاهى، وان التفريط بها كفر بنعمة ينبغي ان يقابلها الشكر.
والكلمة الاخيرة التي اود قولها هي ان انحسار فرص الحرب الاهلية لا يعني انعدامها وانما يعني ازالة الظروف الحاضنة لها فالخطر لما يزل بعد موجودا الخطوة التالية المطلوبة من الحكومة هي التاسيس لثقافة وطنية عراقية من شانها ان تشكل هوية وطنية تصهر في بودقة واحدة مكونات الامة العراقية الكفيلة باستئصال كل الاخطار، وهذا امر يتطلب اشراك المثقف، بل تمكينه من القيام بالدور الاساس في عملية بناء الانسان العراقي، فانه وعلى مر التاريخ نجد ان السياسي يفاقم اخفاقات المثقف، اما المثقف فيعالج اخفاقات السياسي.
 

Copyright© 2006,daawaparty,Email:daawaislamic@yahoo.com